السيد محمد حسين فضل الله
27
من وحي القرآن
ورفعة قدره ، فهو المتعالي على كل شيء من حقيقة موقع العلو الذاتي في وجوده . وهذا ما يجعلنا نقف أمام جلاله العظيم ، في خشوع العبد أمام سيده ، والمخلوق أمام خالقه ، لنشعر بأنه يحيط بكل شيء ، لدينا وفينا ومعنا وحولنا من كل ما خفي وما ظهر ، فلا يغيب عن علمه شيء ، ولا يقترب من علوه وعظمته شيء ، سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ لأن الإنسان هو الذي يختلف عنده حال الجهر وحال السر من خلال ارتباط وعيه للمسموعات بأدوات السمع عنده . أما اللَّه الذي أحاط بسر الإنسان ، حتى عندما يكون قوله فكرة في الذهن ، فإن الجهر والسر يتساويان في موقع علمه ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ يستتر بظلامه فلا يراه أحد وَسارِبٌ بِالنَّهارِ بما يظهره نور النهار في ملامحه ومظاهر حركته ، لأن الظلام قد يحجب عن الإنسان معرفة ما في داخله ، ولكنه لا يحجب عن اللَّه ذلك ، لأنه مطلع عليه بحضوره عنده ، لأن الأشياء كلها حاضرة لديه في كل مواقع علمه . لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وتدخل الآية ضمن حديث اللَّه عن تدبيره لحياة الإنسان عبر قواعد وضوابط وقوانين تحكمها في ثلاث نقاط : 1 - إن اللَّه قد جعل للإنسان في حياته عوامل وعناصر تحيط به من كل جوانبه وتتعاقب على مدار الساعة بحيث يتبع بعضها بعضا بشكل متواصل ، وهذا ما عبر عنه بالمعقبات التي تتناوب في حياته ، فلا تتركه وحده ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ بما يمثله ذلك الأمر من أوضاع وأخطار تجرها إليه سنن اللَّه المودعة في الكون ، مما قد يهدم حياته ، ويهزم استقراره ، إذا واجهها وحده ، دون ما وفره اللَّه لصونه من عناصر الحماية والدفاع في نفسه وجسده ، بحيث لا يشعر الإنسان بالقلق والضياع أمام الكون الكبير المملوء بالأخطار والمهالك ، بل يشعر بالثقة الكبيرة ، لما ركّبه اللَّه في داخله من أجهزة ، وهيأ له من أسباب ، وما أحاطه به من عناية ورعاية . فحسبه أنه يتحرك في أجواء الحفظ الشامل من قبل اللَّه .